كلما اشتدت وطأة الانتخابات الأمريكية, اشتدت وطأة القوات الأمريكية على الشعب العراقي والأفغاني... والفلسطيني بالإنابة.
كأن المعادلة أصبحت:
لكي ينتخب إنسان في أمريكا... يجب أن "ينتحب" إنسان خارج أمريكا!
ولكي ينتخب رجل في أمريكا من يكفل له بناء بيت... يجب أن "ينتحب" رجل في فلسطين على هدم بيته.
ولكي تنتخب امرأة في أمريكا من يوفر التأمين الصحي لأبنائها... يجب أن "تنتحب" امرأة في العراق على قتل ولدها.

بل إن البراجماتية بلغت من الدناءة إلى درجة أنه: لكي يتحرك الأمريكي نحو صناديق الاقتراع... يجب أن يبكي أمريكي آخر على ابنه الجندي القتيل في الجيش الأمريكي المنتشر في الكون!
هل حقاً أصبح فوز الرئيس الأمريكي يعتمد على هزيمة الإنسان؟!
أردنا من أمريكا المتحضرة أن تعلم الناس الانتخابات, فإذا بها تعلمهم الانتحابات.
لم تعد الانتخابات فعلاً إنسانياً مفرحاً يأتي بالجديد والتطوير والتحسين, كما يفترض أن تكون, لكنها أصبحت فعلاً ابتزازياً انتهازياً استفزازياً, تراق من أجله الدماء والأموال والكذبات.
ولذا فأعداء الديمقراطية اليوم يعيشون أسعد أيام حياتهم, لأن الديمقراطية توشك أن تتحول إلى دكتاتورية مطورة والسؤال الملح الآن: هل تمثل أمريكا اليوم النموذج العذري للنظرية الديمقراطية؟ قد تكون الإجابة بنعم, وقد تكون بـلا, ولكن الإجابة المؤكدة هي أن أمريكا اليوم تمثل النموذج الذروي للبراجماتية.
وتتجلى: أكثر ما تتجلى, هذه البراجماتية في حمى الانتخابات الأمريكية, إذ تتحول القيم الديمقراطية كافة إلى قيم براجماتية تدهس جميع المصالح من أجل مصلحة واحدة هي البيت الأبيض.
من أجل ذلك فمن مصلحة الإنسان, كل إنسان في هذا الكون, أن يتجنب المساس بذيل الحمار الديمقراطي أو خرطوم الفيل الجمهوري, في ذروة الانتخابات الأمريكية, حتى يأمن من أن تصيبه رفسة ديمقراطية أو دهس جمهوري, يزيد في رصيد رفسات أو دهسات المرشح الأمريكي للرئاسة.
إننا بإيجاز... نعيش في عالم يتحكم فيه ذيل حمار أو خرطوم فيل, وإذاً فلا غرابة إن قيل كثيراً من لدن المثقفين إن العالم الآن تحكمه شريعة الغاب.
كنا فيما مضى, نحن جمهور الدرجة الثانية في لعبة الانتخابات الأمريكية, نقرر سريعاً من المرشح الذي نتمنى أن يفوز حتى تتحقق على يديه المصلحة العربية. وكنا إذا تأخرنا في اختيار المرشح الذي نريد فهو بسبب حيرتنا في التفضيل بين الأفضلين!
الآن أصبحنا نتأخر كثيراً في اختيارنا لمن نتمنى أن ينهزم من المرشحين... لا من يفوز حتى أصبحنا ننهي حيرتنا كثيراً بأمنية: أن ينهزم المرشحان معاً!
ما الذي حدث... هل أمريكا ازدادت سوءاً, أم نحن الذين ازددنا كرهاً لأمريكا؟
الذي يريك الإجابة على هذا السؤال, أن شريحة متنامية من الناخبين الأمريكيين أصبحوا يتمنون الأمنية نفسها - أمنية هزيمة الاثنين معاً! - ولطالما صرح ناخب أمريكي بأنه سيضطر لاختيار الأقل سوءاً.. وليس الأفضل. يبدو أننا في هذه الحال سنعدل السؤال الآنف لنجعله, ما الذي حدث في أمريكا... هل نقصت ديمقراطيتها, أم زادت براجماتيتها؟
زياد الدريس
*رئيس تحرير مجلة المعرفة





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1850