لاحظت خلال الأشهر الأخيرة أنني أتوقف أمام كل مرآة تمر بي، ولاحظت أيضا أن ما أراه في المرايا لا يسر خاطري أو يشرح صدري، وكنت من قبل أنظر بازدراء إلى الرجال الذين كلما وجدوا مرآة أو سطحا لامعا عاكسا وقفوا أمامه يعدلون من هيئاتهم ويتغزلون في محاسن أنفسهم في صمت، وفي دورات المياه تجد على الدوام رجالا يكادون يخترقون المرايا برؤوسهم وهم يقتربون منها للتأكد من أن كل شيء تمام التمام،.. ولأن المرايا تسبب الإحباط فإنني أنصحك بالتوقف عن النظر فيها.. فمشكلة المرآة أنها لا تجامل ولا تعرف النفاق وتصفعك بالحقائق في وجهك،.. هذا بالطبع ما لم تكن من النوع الذي يمارس خداع النفس ويطالع المرآة ويحسب أن صورته المعكوسة عليها هي صورة "يوسف"،.. من آيات العولمة أن التعلق بالمرايا والهوس بالمظهر والوسامة والأناقة والقيافة لم يعد وقفا على النساء، ولا بأس بالطبع في أن يحرص الإنسان رجلا كان أم امرأة على أن يكون حسن المظهر وحسن الرائحة، ولكن أن يبلغ الأمر مرحلة التزوير فيرتدي رجل تجاوز الخمسين بنطلون جينز من النوع الذي يتعذر خلعه بدون استخدام كريم أو دهان ثم يترك صدره مفتوحا ليرى الناس السلسلة التي تتدلى منه، ويرتدي قميصا من قمصان نلسون مانديلا أو شعبان عبد الرحيم فهذه ردة إلى "الطفولية".. وأنا لا أتهكم على مانديلا، ذلك العملاق الشامخ، فهو إفريقي ونحن الأفارقة تعجبنا الألوان الصارخة ولا يعيب الشخص الإفريقي الطاعن في السن أن يرتدي قميصا مشجرا، ولكن ثقافة الأزياء العربية "غير"... وتزوير المظهر بغرض إخفاء العمر الحقيقي لا يكون فقط بصبغ الشعر أو ارتداء الملابس الشبابية بل يكون أيضا في اختيار نوع السيارة واختيار بلدان معينة لقضاء الإجازات، وشراء أشرطة أليسا وبرتني سبيرز وجنيفر لوبيز!!.. المصيبة هي أنه كلما تمسك الشخص الشائب بمظاهر الشباب انفضح أمره، والشخص الذي يرتدي المزركش والمبرقع والمرقط بعد أن تجاوز الخمسين يصبح كما جورج بوش وهو يرتدي الغترة والعقال،... وعندي وصفة مضمونة للمحافظة على الشباب وهي أنك وبمجرد أن ترفض جهة ما توظيفك وتفضل عليك شخصا أصغر سنا أن تتجنب مجالسة كبار السن خاصة تلك النوعية التي لا تكف عن الشكوى من سوء الهضم وآلام المفاصل والانزلاق الغضروفي، فمجالسة هؤلاء تسبب الإحباط، خاصة وإنهم يقرنون الشكوى بالتحسر على أيام زمان، وبما أنني شاهد على ذلك العصر فإنني أقول لجيل الشباب إن مزاعم الكبار بأن أيام زمان كانت أحلى من أيام "الآن"، كلام فارغ!! ما الحلو في أن يعيش الإنسان في بيت تحتل الأغنام ربع مساحته؟ ما الحلو في أن تكون وجبة الإفطار رغيفا مغموسا في الشاي؟ (قال لي صديق سعودي إن عواجيز منطقته يسمون الخبز التوست "شفاط الشاي" لأن نصف كوب الشاي يختفي عند غمس خبزة فيه)، ما حلاوة خلع الضرس بدون بنج بواسطة الحلاق أو الحداد؟ أولئك الذين يتحسرون على أيام زمان لم يكونوا يذوقون الكوكا كولا إلا إذا أصيبوا بعسر هضم (إلى يومنا هذا يوجد أناس بينهم شباب يحسبون أن المشروبات الغازية تساعد على الهضم)! إذا أردت أن تحافظ على شبابك كن جعفريا ولا تحسب سنوات عمرك التي انقضت بل فكر في كيفية التواؤم والتأقلم مع السنوات التي قد تعيشها.. وتعامل مع الكبر والشيخوخة على أنهما "مكسب" فغيرك مات دون أن يبلغ السن التي بلغتها، فكن حامدا شاكرا ولا تلجأ إلى التزوير لإخفاء نعمة طول العمر.





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1642