بعد أشهر طويلة من الاحتلال الأمريكي للعراق وفشلها الذريع في بسط الأمن ولو حتى فوق كيلومتر مربع واحد فقط يمكننا تقييم الاستراتيجية الأمريكية وفق المعادلة التالية: جاءت أمريكا بخطة حرب محكمة ولم تضع في الحسبان مشروعاً للإنماء والسلام لما بعد الحرب. قبل الفترة الأمريكية, كان مئة ألف شرطي عراقي يسيطرون لا على الأمن في شوارع العراق, بل حتى على همس الأفواه وتوزيع الخبز في البيوت العراقية على شعب لم يتحد في تاريخه على موقف واحد بقدر اجتماعه على كراهية صدام حسين وبديله الجديد جورج بوش. الفارق أن صدام حسين نجح في نشر الأمن ولو بالإكراه والخوف لخمسة وعشرين عاماً ولم ينجح بوش لبضعة أشهر فعادت آلته العسكرية الهائلة التي جاءت مبشرة بالحرية إلى بندقية مجنونة حصدت ما قبل الأمس 46 قتيلاً عراقياً في أقل من عشر دقائق لم يكن ذنبهم إلا أنهم ولدوا عراقيين وكانوا يتجولون في شارع عراقي. كانوا في المكان الخطأ في الزمن الخطأ ولو خيرت أنا بين أمان العيش تحت عبودية صدام ووعود الرفاه والحرية تحت عشوائية القنابل والرصاص الأمريكي لاخترت الأولى بلا تردد فالأمن عندي مقدم على حرية موعودة وحياتي اليوم أثمن منها من غدٍ مؤمل قد يأتي وقد لا يأتي.
اعتمدت أمريكا على أكاذيب المعارضة العراقية التي زينت لها حتمية الاحتلال وأن الشعب العراقي سيستقبل الفاتح الأمريكي بالورود في قراءة غبية للتاريخ العربي والإسلامي لأن فتح مكة كان آخر وأول دخول آمن مضمون ولكم أن تعلموا أن باحثاً تاريخياً عراقياً ذكر أن الجيوش دكت بغداد في عمرها الطويل سبع عشرة مرة كان أسوأها حين تغير لون دجلة إلى لون الدم. الموقف الأمريكي من العراقيين لم يكن أحسن حالاً من ذلك لكن الدماء اليوم والجثث لم تعد ترمى في الأنهار احتراماً لإنسانية العولمة وقوانين البيئة. كان صدام يقتل من ظنه مناوئاً خطراً على الأمن القومي وهنا جورج بوش يقتل من يضع يده في جيبه عند مرور جندي أمريكي. وضع بوش 150 ألف جندي في شوارع العراق بزعم حماية العراقيين وحينما فشلت هذه النظرية عاد ليقسم هذا الجيش على اثنين: نصف لحماية النصف الآخر. بالأمس يقال إن جوج بوش زار بغداد سراً وحين تتمعن في الصور لا تعرف فيما إذا كان بالفعل في العراق أو مع بعض جنوده في قواعد فورت براغ أو سان أنطونيو. لقد تخفى منذ لحظة خروجه من مزرعته متسللاً نصف الليل ومغطياً وجهه بطرف القبعة حسب الرواية الرسمية فما الفرق بينه وبين لص محترف ذاهب لسرقة بنك أو متجر؟. الفارق أنه لص سياسي يتسلح بالقانون, والفارق أن أمريكا تسن لها القوانين لممارسة السرقة بشكل مكشوف. الفارق أن صدام حسين كان أكثر شجاعة من بوش الذي شاهدته في آخر صورة يتمترس بعشرة آلاف جندي على حين شاهدت صدام حسين لآخر مرة يتجول في شارع بغدادي تحت هدير الطائرات الأمريكية وكلاهما بُثت صوره على التلفزة الأمريكية.
AL Watan





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1597