شكت "نيويورك تايمز" الأسبوع الماضي من أن مساعدي الرئيس بوش يمنعونه من معرفة ما يجري حوله، فهو لا يرى التظاهرات، ولا يقرأ الجرائد والنتيجة انه يعيش في "فقاعة رئاسية" بحجة الأمن. وأيد أكثر بريد القراء في اليوم التالي ما ذهبت إليه الجريدة، وغادرت نيويورك هذا الاسبوع بعدما شاهدت من الغرائب والعجائب ما فات الرئيس، فقد كان جديداً عليّ في مدينة أقصدها منذ الستينات أن أرى بين حوالى 30 اعلان زواج مع صور، ان لي تزوج اندرو، ومايكل تزوج جيسون، أو العكس، فلو كان أحد "الزوجين" بشنب في الصورة لعرفت من الرجل. يخرب بيتكم. ضروري الإعلان والطبل والزمر؟
تظل الأمم المتحدة أكثر شذوذاً من شاذي نيويورك، والولايات المتحدة لا تجد أسلحة دمار شامل في العراق، وكبير مفتشيها ديفيد كاي يقول ذلك رسمياً، ما ينفي بالتالي تهديد العراق أمن المنطقة أو أميركا البعيدة عنه عشرة آلاف ميل، ومع ذلك يأتي الرئيس ويصر على وجودها ثم يطلب قوات دولية لحماية القوات الأميركية في العراق، ودعماً مالياً لإصلاح ما خرب صدام والاحتلال.
اترك الرئيس يقلع شوكه بيده فقد نصحته ألا يدخل العراق، غير انه اذا كان لا يقرأ "واشنطن بوست" فلن يقرأ "الحياة"، وأكمل بما شاهدت، فقد قضيت أسبوعاً في نيويورك، ولم يهطل المطر بغزارة ومصحوباً بالريح إلا عندما خطب الرئيس. واشتريت مظلة كبيرة فانحبس المطر حتى غادرت العاصمة المالية للعالم حيث لا يمنع الثراء أن يكون واحد من كل خمسة نيويوركيين مصاباً بمرض نفسي، أو مجنوناً بالكامل، فأشفق على الديبلوماسيين العرب المقيمين هناك وأسرع مغادراً قبل أن ابتلى. والثراء الفاحش يعني ان واحداً في المئة من الأميركيين دخلهم ترليون دولار. إلا ان هذا لا يحول دون انتشار الفقر، وتزامنت زيارتي مع اصدار مكتب الاحصاء الرسمي أرقاماً تقول ان الفقراء في أميركا زادوا من 7،11 في المئة سنة 2001 الى 1،12 في المئة السنة الماضية، أو حوالى 6،34 مليون أميركي دون حد الفقر.
وقبل أن يشمت القارئ أقول ان "حد الفقر" الأميركي أعلى من أعلى دخل في بعض الدول العربية، والمهم فيه انه يكشف خللاً اجتماعياً لا يعرفه الرئيس لأنه يعيش في تلك الفقاعة الخرافية، لذلك قرأت على هامش الموضوع ان الاثرياء الاميركيين دفعوا ضرائب أقل السنة الماضية، فيما زادت الضرائب على أصحاب الدخل المتوسط.
وكنت في غرفتي ذات صباح، ورأيت على "سي إن إن" (وبرامجها الأميركية تختلف عما نشاهد في بلادنا منها) خبراً عن أن نقص الموازنة جعل سجوناً تفرض ايجاراً على نزلائها. ولم أفهم ماذا تعمل إدارة السجن بنزيل لا يدفع العشرين دولاراً المطلوبة عن كل ليلة؟ هل تطرده من السجن؟
كنت بسبب فارق الوقت مع لندن استيقظ في الرابعة أو الخامسة صباحاً، وأجد أسباباً إضافية للقلق، فمحطة "اي بي سي" اختارت أن تبث تحقيقاً عن القذارة في الفنادق، والجراثيم الكامنة من قبضة الباب، الى أرقام جهاز التلفون، ثم الحمام والمغسلة. وقمت أفحص وأشم وأفتح المناشف وأقلبها. ولم أجد شيئاً لأن الأجسام التي أبحث عنها ميكروسكوبية، إلا انني أغلقت التلفزيون وفتحت "نيويورك تايمز" لأجد خبراً خلاصته ان قادة العالم يصلون الى نيويورك جواً، من دون أن يُسأل واحد منهم هل ذهب الى مرحاض في المطار، وهل غسل يديه بعد قضاء حاجته. وقرأت في الجريدة الحصيفة الرصيفة أن دراسة للجمعية الأميركية لعلم الأحياء وجدت ان 22 في المئة من الرجال لا يغسلون ايديهم بعد استعمال المرحاض، وانهم بالتالي ينشرون فيروسات خبيثة، وربما كانوا مسؤولين عن مرض "سارز".
وفكرت في من صافحت من قادة دول في الأمم المتحدة، وقررت أن سياستهم أخبث من أيديهم وما قد تحمل من أمراض.
الاستيقاظ في الرابعة صباحاً في نيويورك لا يعني شيئاً في منطقتنا، لأن الساعة تكون بلغت الحادية عشرة أو تجاوزتها، إلا أنني بحكم العمل لا أرى التلفزيون في النهار، وهكذا فقد وفر لي الأرق فرصة أن أرى اختنا دوللي غانم تحاور جوزيف أبو خليل وتوجان الفيصل عبر "إل بي سي"، ومذيعة حسناء في تلفزيون دبي تحاور طبيبة عن الحمل والولادة، مع أسئلة من المتفرجين، وأم كلثوم في آرت العالمية تغني: من أجل عينيك عشقت الهوى/ بعد زمان كنت فيه الخلي... هذا فؤادي فامتلك أمره/ واظلمه ان احببت أو فاعدلِ.
خرجت الى الشارع، وتوجهت الى مقر الأمم المتحدة عبر ميدان داغ همرشولد، ولو فعل الرئيس بوش مثلي لوجد متظاهرين من طائفة فالون غونغ الصينية يطالبون بحرية العبادة. وهم خصصوا حيزاً لممارسة الرياضة على الطريقة الصينية المعروفة، وفكرت أن أرفع يدي يمنة ويسرة ببطء، وان أحرك ساقي ببطء أكبر الى أمام وخلف، ولكن لم اقتنع بأن ذلك سيفيد القضية الفلسطينية، وبالتالي لن يعطيني الراحة النفسية التي أكدت لي متظاهرة حسناء أنها تتبع هذه الرياضة. واكتفيت بأخذ ما قدمت لي من منشورات مع هاتفها أملاً بأن أغير رأيي.
إذا غيرت رأيي وهاتفتها فلن يكون السبب الرياضة، غير ان "القضية" تشغلنا عن كل قضية أخرى، لذلك اختتم بتحية الأبطال الذين شاركوا في تظاهرة لنصرة فلسطين فيما كان الرئيس بوش يلقي خطابه، فهم تظاهروا في نيويورك، وفي جو معادٍ، ثم ان المطر شكل تحدياً آخر، ومع ذلك فقد رفعوا الصوت عالياً، والشرطة تحيط بهم، ولم يكونوا كلهم من العرب، فالقضية الفلسطينية تحظى بعطف عام، وهناك يهود أميركيون بين المؤيدين، وخطاب المندوب الفلسطيني في الجمعية العامة يلقى دائماً اضعاف التصفيق الذي يتبع خطاب المندوب الاسرائيلي المنكود الطالع. الذي غاب ووفده عن معظم الجلسات بغطرسة وفوقية وقلة أدب لا يقدر عليها سوى من كان مثله.
J Khazen
Al Hayat





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1533