أجد نفسي هذه الأيام غارقاً حتى (شوشتي), أو ما بقي منها, في العمل, فهناك الجريدة والتلفزيون, والأولى تستر العيوب, لأن الصحافي غير مضطر أن يعرض مفاتنه على القارئ, اما الثاني فيفضح, والشكل فيه أهم من المحتوى, تماماً مثل زجاجات العطور الفرنسية.
كنت أراقب بعض الزملاء الجدد, (لزوم) التلفزيون, وأفكر اننا جميعاً نبدو أحلى على الراديو, ثم أفكر ان ميزانية السنة الأولى كلها لا تكفي لعمليات تجميل للشباب (الشابات حسان يوجعن القلب).
لا أعرف كيف يتعامل غيري مع زيادة كمية العمل, فأنا لا استطيع أن أفر منه, وانما أحاول ان استعيد طرفة اعرفها مع كل مواجهة في المكتب.
وكلنا يطلب زيادة دخله, ومنذ عملت رئيساً للتحرير, أول مرة, قبل 34 سنة, وطلب زيادة المرتب هو أكثر ما أسمع, والوعد (بالمشمش) ان يزاد المرتب هو ما يسمع الطالب مني.
سأل صاحب عمل موظفاً لماذا يريد زيادة في مرتبه, ورد هذا: أولادي اكتشفوا ان بقية الناس تأكل ثلاث وجبات في اليوم.
وقلت لمحرر ناشئ طلب يوماً زيادة مرتبه ونحن في بيروت: هل تعرف أبو علي? وقال: نعم. وقلت: انـه يعـمل مـعنـا مـنذ 25 سـنة ولـم يطـلب زيـادة مرتبه. ولم يفهم المحرر العلاقة, فقلت انه معنا 25 سنة لأنه لم يطلب زيادة مرتبه.
مع ذلك من الصعب مقاومة اغراء طلب الزيادة, فهي اذا حصلت كانت ربحاً خالصاً, وإذا لم تحصل فلا خسارة للطالب. وقال صاحب عمل لموظف: هل عندك ما تقول قبل أن أطردك من العمل? ورد الموظف: ممكن تزيد مرتبي?
مثل هذا الموظف قال: اذا لم يسحب المدير كلامه فلن أعود الى العمل. وسئل: ماذا قال المدير? ورد: قال, أنت مطرود.
إذا لم تكن المشكلة في العمل المرتب, فهي العمل نفسه, وأنا من جيل عمل بجد واجتهاد, فكنا نعمل ثماني ساعات في اليوم وكوفئنا على نشاطنا بالترقية وأصبحنا نعمل 12 ساعة في اليوم و14 ساعة وأكثر. اليوم لا يزال هناك من يجد ويجتهد, غير أن كثيرين يريدون أن يبدأوا العمل من فوق, ما يذكرني بابن صاحب الشركة الذي بدأ العمل نائباً لأبيه, وتدرج نزولاً حتى أصبح (فرّاش) الشركة.
(الشغل مش عيب) وهذا ما يجب أن يقول كل زوج لزوجته, والزوج المخلص إذا رأى زوجته تستعمل المكنسة الكهربائية وهو يتفرج على التلفزيون يرفع رجليه ليسهل عليها عملها.
غير انني أبقى مع العمل في المكاتب, وقد ثارت يوماً في الولايات المتحدة قضية بين شـركة ومـوظف ذهب لقص شعره خلال ساعات الدوام وطردته الشركة فرفع قضية لأن شـعره طال خـلال سـاعات الدوام. ولم أعد أذكر كيف كان الحكم, ولكن الخلاف انتج طرفة عن مدير يسأل موظفاً أين كان فيقول انه ذهب لقص شعره. ويقول المدير انه لا يجوز أن يقص شعره خلال ساعات الدوام, فيرد الموظف ان شعره طال خلال ساعات الدوام. ويقول المدير ان شعره لم يطل كله خلال ساعات الدوام. ويرد الموظف هذه المرة: أنا لم أقصه كله.
على الأقل هذه الطرفة لم تنته في المحاكم, ونحن في بلادنا لا نتعامل مع المحاكم الا ضمن حدود ضيقة في موضوع التوظيف أو الطرد من الوظيفة, ولكن أعرف شركة عربية في لندن انتهت في المحكمة مع كل موظف استغنت عن خدماته, لأن كل ما يحتاج اليه الموظف هو أن يدعي (الطرد غير العادل) لتعين الحكومة من يترافع عنه أمام ما يسمى (محكمة صناعية), وفي النهاية قلّصت هذه الشركة أعمالها في لندن, ونقلت معظم الموظفين الى الخليج.
في انكلترا يتحدثون عن (غالبية عاملة) في البرلمان, ونحن في بلادنا نبحث عن عمل للغالبية, إلا أن هذه قصة أخرى, اما حديثي اليوم فهو عن العمل نفسه, وفي الشرق والغرب هناك ما يعرف باسم التقاعد الالزامي عن العمل, وهو عادة عندما يبلغ الموظف من العمر 65 سنة. ولكن المطلوب كذلك ان نقنع من هم في الخامسة والعشرين بلزوم العمل, ليستطيعوا التقاعد منه.
اليوم المكاسب نزرة والمعيشة غالية, كما رآها أبو العتاهية أيام العباسيين, ومع ذلك فهناك الذي لا يعمل إلا إذا رأى المدير يدخل من الباب. وربما كان هو الذي سئل: منذ متى تعمل هنا? ورد: منذ هددني المدير بالطرد.
وفي النهاية, فالنشاط في العمل ليس ضمانة للبقاء فيه, فالآلة تحل محل الناس باستمرار, وكم من موظف استبدلت الشركة به كومبيوتراً, وهذا ليس عيباً, غير أنني أعرف موظفاً وضعت الشركة في مكانه (ترانزستور).
جهاد الخازن
كنت أراقب بعض الزملاء الجدد, (لزوم) التلفزيون, وأفكر اننا جميعاً نبدو أحلى على الراديو, ثم أفكر ان ميزانية السنة الأولى كلها لا تكفي لعمليات تجميل للشباب (الشابات حسان يوجعن القلب).
لا أعرف كيف يتعامل غيري مع زيادة كمية العمل, فأنا لا استطيع أن أفر منه, وانما أحاول ان استعيد طرفة اعرفها مع كل مواجهة في المكتب.
وكلنا يطلب زيادة دخله, ومنذ عملت رئيساً للتحرير, أول مرة, قبل 34 سنة, وطلب زيادة المرتب هو أكثر ما أسمع, والوعد (بالمشمش) ان يزاد المرتب هو ما يسمع الطالب مني.
سأل صاحب عمل موظفاً لماذا يريد زيادة في مرتبه, ورد هذا: أولادي اكتشفوا ان بقية الناس تأكل ثلاث وجبات في اليوم.
وقلت لمحرر ناشئ طلب يوماً زيادة مرتبه ونحن في بيروت: هل تعرف أبو علي? وقال: نعم. وقلت: انـه يعـمل مـعنـا مـنذ 25 سـنة ولـم يطـلب زيـادة مرتبه. ولم يفهم المحرر العلاقة, فقلت انه معنا 25 سنة لأنه لم يطلب زيادة مرتبه.
مع ذلك من الصعب مقاومة اغراء طلب الزيادة, فهي اذا حصلت كانت ربحاً خالصاً, وإذا لم تحصل فلا خسارة للطالب. وقال صاحب عمل لموظف: هل عندك ما تقول قبل أن أطردك من العمل? ورد الموظف: ممكن تزيد مرتبي?
مثل هذا الموظف قال: اذا لم يسحب المدير كلامه فلن أعود الى العمل. وسئل: ماذا قال المدير? ورد: قال, أنت مطرود.
إذا لم تكن المشكلة في العمل المرتب, فهي العمل نفسه, وأنا من جيل عمل بجد واجتهاد, فكنا نعمل ثماني ساعات في اليوم وكوفئنا على نشاطنا بالترقية وأصبحنا نعمل 12 ساعة في اليوم و14 ساعة وأكثر. اليوم لا يزال هناك من يجد ويجتهد, غير أن كثيرين يريدون أن يبدأوا العمل من فوق, ما يذكرني بابن صاحب الشركة الذي بدأ العمل نائباً لأبيه, وتدرج نزولاً حتى أصبح (فرّاش) الشركة.
(الشغل مش عيب) وهذا ما يجب أن يقول كل زوج لزوجته, والزوج المخلص إذا رأى زوجته تستعمل المكنسة الكهربائية وهو يتفرج على التلفزيون يرفع رجليه ليسهل عليها عملها.
غير انني أبقى مع العمل في المكاتب, وقد ثارت يوماً في الولايات المتحدة قضية بين شـركة ومـوظف ذهب لقص شعره خلال ساعات الدوام وطردته الشركة فرفع قضية لأن شـعره طال خـلال سـاعات الدوام. ولم أعد أذكر كيف كان الحكم, ولكن الخلاف انتج طرفة عن مدير يسأل موظفاً أين كان فيقول انه ذهب لقص شعره. ويقول المدير انه لا يجوز أن يقص شعره خلال ساعات الدوام, فيرد الموظف ان شعره طال خلال ساعات الدوام. ويقول المدير ان شعره لم يطل كله خلال ساعات الدوام. ويرد الموظف هذه المرة: أنا لم أقصه كله.
على الأقل هذه الطرفة لم تنته في المحاكم, ونحن في بلادنا لا نتعامل مع المحاكم الا ضمن حدود ضيقة في موضوع التوظيف أو الطرد من الوظيفة, ولكن أعرف شركة عربية في لندن انتهت في المحكمة مع كل موظف استغنت عن خدماته, لأن كل ما يحتاج اليه الموظف هو أن يدعي (الطرد غير العادل) لتعين الحكومة من يترافع عنه أمام ما يسمى (محكمة صناعية), وفي النهاية قلّصت هذه الشركة أعمالها في لندن, ونقلت معظم الموظفين الى الخليج.
في انكلترا يتحدثون عن (غالبية عاملة) في البرلمان, ونحن في بلادنا نبحث عن عمل للغالبية, إلا أن هذه قصة أخرى, اما حديثي اليوم فهو عن العمل نفسه, وفي الشرق والغرب هناك ما يعرف باسم التقاعد الالزامي عن العمل, وهو عادة عندما يبلغ الموظف من العمر 65 سنة. ولكن المطلوب كذلك ان نقنع من هم في الخامسة والعشرين بلزوم العمل, ليستطيعوا التقاعد منه.
اليوم المكاسب نزرة والمعيشة غالية, كما رآها أبو العتاهية أيام العباسيين, ومع ذلك فهناك الذي لا يعمل إلا إذا رأى المدير يدخل من الباب. وربما كان هو الذي سئل: منذ متى تعمل هنا? ورد: منذ هددني المدير بالطرد.
وفي النهاية, فالنشاط في العمل ليس ضمانة للبقاء فيه, فالآلة تحل محل الناس باستمرار, وكم من موظف استبدلت الشركة به كومبيوتراً, وهذا ليس عيباً, غير أنني أعرف موظفاً وضعت الشركة في مكانه (ترانزستور).
جهاد الخازن





Abdelhalim Hafed - موعود
Commentaires
0 de 0 commentaires pour l'article 1203